عثمان بن جني ( ابن جني )

9

الخصائص

أن يكون من هذا ، أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار ، لا على أن يكون من باب حذف المضاف ، أي ذات إقبال وذات إدبار . ويكفيك من هذا كلّه قول اللّه - عزّ وجلّ - خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] وذلك لكثرة فعله إيّاه ، واعتياده له . وهذا أقوى معنى من أن يكون أراد : خلق العجل من الإنسان ؛ لأنه أمر قد اطّرد واتّسع ، فحمله على القلب يبعد في الصنعة ، و ( يصغّر المعنى ) . وكأنّ هذا الموضع لمّا خفى على بعضهم قال في تأويله : إن العجل هنا الطين . ولعمري إنه في اللّغة كما ذكر ؛ غير أنه في هذا الموضع لا يراد به إلا نفس العجلة والسرعة ؛ ألا تراه - عزّ اسمه - كيف قال عقبه سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [ الأنبياء : 37 ] فنظيره قوله تعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [ الإسراء : 11 ] ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ؛ لأن العجلة ضرب من الضعف ؛ لما تؤذن به من الضرورة والحاجة . فلمّا كان الغرض في قولهم : رجل عدل ، وامرأة عدل إنما هو إرادة المصدر والجنس جعل الإفراد والتذكير أمارة للمصدر المذكّر . فإن قلت : فإن نفس لفظ المصدر قد جاء مؤنّثا ؛ نحو الزيادة ، والعبادة ، والضئولة ، والجهومة ، والمحمية ، والموجدة ، والطلاقة ، والسباطة . وهو كثير جدّا . فإذا كان نفس المصدر قد جاء مؤنثا ، فما هو معناه ، ومحمول بالتأويل عليه أحجى بتأنيثه . قيل : الأصل - لقوّته - أحمل لهذا المعنى ، من الفرع لضعفه . وذلك أن الزيادة ، والعبادة ، والجهومة ، والطلاقة ، ونحو ذلك مصادر غير مشكوك فيها ، فلحاق التاء لها لا يخرجها عمّا ثبت في النفس من مصدريتها . وليس كذلك الصفة ؛ لأنها ليست في الحقيقة مصدرا ؛ وإنما هي متأوّلة عليه ، ومردودة بالصنعة إليه . فلو قيل : رجل عدل ، وامرأة عدلة - وقد جرت صفة كما ترى - لم يؤمن أن يظنّ بها

--> - وخزانة الأدب 1 / 431 ، 2 / 34 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 282 ، والشعر والشعراء 1 / 354 ، والكتاب 1 / 337 ، ولسان العرب ( رهط ) ، ( قبل ) ، ( سوا ) ، والمقتضب 4 / 305 ، والمنصف 1 / 197 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 387 ، 4 / 68 ، وشرح الأشمونى 1 / 213 ، وشرح المفصل 1 / 115 ، والمحتسب 2 / 43 . وصدر البيت : * ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت *